مصر فى ثورة

مصر فى ثورة

السبت، 21 فبراير، 2009

المقال الثانى : السياسة التركية في عهد أردوجان


تحدثت فى المقال السابق عن نظرة سياسية للصحوة التركية التى قادها أردوغان الشجاع بمواقفه الاعلامية الجريئة فى الحرب الأخيرة بغزة .. والتى دفعت الكثيرين منا الى التفاؤل الغير حذر والمفرط تجاه دولة تركيا , وتخيل البعض أن تركيا ستقود العالم الى تحرير فلسطين خاصة أن حزب أردوغان ( العدالة والتنمية ) ذو جذور اسلامية وموازى لحزب أربكان الاسلامى الصميم ,, فى هذا المقال أنشر مقالاً لأحد الكتاب المتميزين وهو منشور على موقع د/ راغب السرجانى الذى بدأ بالفعل فى التأصيل التاريخى للحركة الاسلامية فى تركيا على موقعه

و أود التنبيه الى أن المقال التالى يمثل نظرة سياسية حركية مختلطة بها بعض اللمحات والملاحظات الجيدة واشارة مقارنة بين حزب العدالة وجماعة الاخوان المسلمين وهى تساعد على توسيع المدارك والرؤية .. وبذلك فانه ربما أحتاج الى نشر حلقتان عن قضية تركيا : احداهما نظرة دعوية حركية مفصلة والأخرى تاريخية .. لأغلق بذلك هذا الملف مؤقتاً .. والله الموفق


*********************************************

خلفيات الحدث .. السياسة التركية في عهد أردوجان

بقلم أ/ أحمد التلاوي

لا يمكن بطبيعة الحال أيًّا كان موقفنا أو تحليلنا الخاص بحزب العدالة والتَّنمية التُّركيِّ وسياسات رئيسه ورئيس الوزراء التُّركيِّ رجب طيب أردوجان إلا أنْ نصف الحزب وتجربته السِّياسيَّة في تركيا بأنَّها أمرٌ إيجابيٌّ ، فمهما كان الوضع، فوصول حزبٍ ذي خلفيَّةٍ إسلاميَّةٍ في هذا البلد يعني انقلابا سلميا على العلمانيَّة التي أرسى دعائمها مصطفى كمال أتاتورك، وإسقاطه الخلافة الإسلاميَّة

فوصول العدالة والتَّنمية للحكم مثَّل اتجاهًا عكسيًّا أوقف تأثيرات ـ على الأقل ـ انطلاقة قطار العلمانيَّة التي فصلت الدِّين عن الدَّولة، وعزلت الإسلام عن الحكم، وحاربته في مظاهِرِهِ، بما في ذلك مناهج التعليم، ومراكز تحفيظ القرآن الكريم، وكتابة اللغة التُّركيَّة بحروفٍ لاتينيَّةٍ بدلاً من العربيَّة، وصولاً إلى منع حجاب المرأة المسلمة، مع ربط تركيا ربطًا عضويًّا وفكريًّا بالمشروع الغربيِّ

كما أنَّ حكومات العدالة والتنمية المتعاقبة بدأت في إعادة الروح والهويَّة الإسلاميَّة للمجتمع التُّركيِّ تدريجيًّا، فخاضت معركة الحجاب، ومعركة مراكز تحفيظ القرآن الكريم، وبدأت في إعادة عبارة الخلافة العثمانيَّة" إلى الأدبيَّات الإعلاميَّة التُّركيَّة، ومن قبل وأثناء توليه منصب العمدة في محافظة إسطنبول، عمد أردوجان إلى القضاء على تجارة الرقيق الأبيض وإغلاق بيوت الهوى عبر توفير المهن الشَّريفة الَّلازمة للفتيات العاملات في هذا الحقل

إلا أنَّه على الجانب الآخر، سواءُ على المستوى الفكريِّ- التَّنظيري أو التَّطبيقي لا يمكن القول إنَّ تجربة الحزب في تركيا تعني انتصارًا كاملاً للمشروع السِّياسيِّ الإسلاميِّ في صورته النَّقيَّة، سواء في هذا البلد الذي كان عاصمة الخلافة الإسلاميَّة، أو على مستوى تجربة المشروع السِّياسيِّ الإسلاميِّ في العالم، كنموذجٍ يحتذى به

ويعود ذلك إلى العديد من العوامل التي نتعرَّف عليها في صميم ما نكتب، إلا أنَّ المهم الذي يجب أنْ نركِّز عليه في هذا الموضع هو أنَّه من غير الضَّروريِّ التَّفاؤل المبكِّر بالمواقف التي تبنَّاها أردوجان خلال أزمة غزَّة الأخيرة، والعمل على تحويله إلى رمزٍ إعلاميٍّ وسياسيٍّ لأُمَّة المسلمين، ونذكِّر في هذا الأمر بما تمَّ مع أمين حزب الله الِّلبنانيِّ السَّيِّد حسن نصر الله إبّان الحرب الصُّهيونيَّة على لبنان صيف العام 2006م؛ حيث تمَّ تحويله إلى "زعيمٍ للأمَّة العربيَّة والإسلاميَّة" قبل أنْ يكشف حقيقة توجهه ، ودون أنْ تتمَّ دراسةً واضحةً لتاريخ حزب الله، ولا لطبيعة المذهب الشِّيعيِّ، ولا لدور الشِّيعة وقادة حزب الله اللبناني في العراق وفي لبنان ضد الفلسطينيين

ولكن وبوجهٍ عامٍ نتذكَّر عبارةً قالها الدُّكتور علي بطيخ تعليقًا على نتائج الانتخابات العامَّة التُّركيَّة التي ثبَّتت دعائم حزب العدالة والتنمية في الحكم: " لا يجب أنْ نكون مع أو ضد التَّجرُبة التركية بالمطلق، فلكلِّ بلدٍ ظروفه، وتعقيداته السِّياسيَّة، إنَّما يمكن الاتفاق على أنَّ نجاح التَّجرُبة هو جزءٌ من نجاح المشروعِ الإسلاميِّ السِّياسيِّ، نتفق مع بعض تفاصيله ونختلف مع بعضها، والأهم أنْ تُدرس هذه التَّجارُب بعنايةٍ للخروج بالدُّروس المستفادة " ـ

.

أولاً: ملاحظاتٌ هامة

تعدُّ تجربة "حزب العدالة والتَّنمية" في تركيا بلا شكٍّ، إحدى تجارب الإسلام السِّياسيِّ الهامَّة في تاريخ الأمَّة العربيَّة والإسلاميَّة الحديث والمعاصر، إلا أنَّ هذه التجربة غير ذات قابليَّةٍ للتَّطبيق سواءً كنموذجٍ يحتذى بشكلٍ عامٍ أو تحديدًا في حالة مثل حالة الإخوان المسلمين في مصر، لعددٍ من الأسباب التي من أهمُّها:ـ

أولاً: التزام أردوجان بقواعد العمليَّة السِّياسيَّة التُّركيَّة وبأحكام الدُّستور، حتى وصلت به المواءمة السِّياسيَّة إلى الإعلان علنًا أنَّه ملتزمٌ ليس فحسب بالطَّبيعة المدنيَّةِ في إطار مرجعيَّته السِّياسيَّة، بل قال إنَّه ملتزمٌ بهويَّةِ تركيا العلمانيَّة

وفي البداية، قال أردوجان : " إننا لن نحيد عن العلمانيَّة، ولن نغيِّر فيها أيَّ شيء، بل ما جئنا إلا للمحافظة عليها " ، وذلك لكي يحافظ على الشَّعرة القائمة بينه وبين المُؤسَّسة العسكريَّة التُّركيَّة التي هي الحارس الأول للنِّظام الجمهوريِّ العلمانيِّ في تركيا، بموجب الدُّستور الموضوع في العام 1983م بعد ثلاث سنواتٍ من الحكم العسكريِّ إثر انقلاب الجنرال كنعان إيفرين

حيث اشترطت وقتها المُؤسَّسة العسكريَّة أنْ يتم منحها صلاحياتٍ دستوريَّةً لعزل أيَّةِ حكومةٍ ترى أنَّها تتجاوز في سياساتها الأسس العلمانيَّة للدَّولة التُّركيَّة، لكي تسمح بعودة الحكم المدنيِّ للبلاد، وهو ما جرى مع حكومة حزب الرَّفاه الإسلاميِّ بزعامة نجم الدِّين أربكان، الذي كان أوَّل رئيس وزراء إسلامي في تركيا، في أواخر التسعينيَّات، فضغط الجيش على الإسلاميِّين عن طريق الرَّئيس سليمان ديميريل، فاستقال الإسلاميون من الحكم، وتمَّ حظر حزب الرَّفاه في العام 1998م

وهذا هو خيار حزب العدالة والتنمية، وهذا خيارٌ لا يمكن لإخوان مصر أن يتبنَّوه على أي شكل من الأشكال؛ لأنَّ الإخوان مع التزامهم بالدستور المصريِّ؛ لأنَّه يقول إنَّ الدِّين الرَّسمي للدَّولة هو الإسلام، وإنَّ الشَّريعة الإسلاميَّة هي المصدر الرَّئيسيِّ للتَّشريع، لا يمكن لهم قبول كامل قواعد اللعبة السِّياسيَّة التي وضعها النِّظام المصري منذ خمسة عقودٍ، مثلما فعل أردوجان، سواءٌ على مستوى المبادئ الحاكمة، أو الممارسة السِّياسيَّة، من قبولٍ لمُؤسَّسات شكليَّةٍ، وفسادٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ وإداريٍّ واجتماعيٍّ موجودٍ

ولو تمَّ ذلك فسيفقد الإخوان مصداقيَّةَ ما يطرحونه من برامجٍ وأهدافٍ، وبالتالي سوف يفقدون أهمَّ عناصر قوة الجماعة وهو عنصر الشَّرعيَّة الجماهيريَّة، وتأييد الشَّارع المصريِّ والعربيِّ والإسلاميِّ لهم، والذي قبِلَهم وأيَّدَهم بسبب أجندتهم

ثانيًا: أنَّ التَّيَّار الإصلاحيِّ (تيار الإخوان) بأجندته يرمي إلى إحياء تجربة الأُمَّة الإسلاميَّة الواحدة، وإعادة الواجهة الحضاريَّة القديمة لها، واستعادة دورها الرِّياديِّ العالميِّ في كل المجالات، وهذا لا ينادي به أردوجان، فتياره يعمل داخل حدوده فحسب، ولا يطرح أجنداتٍ إسلاميةً ذات طابعٍ عالميّ

وهو الأمر الذي لا يقلق الغرب الأمريكيِّ والأوروبيِّ بل والصُّهيونيَّة العالميَّة، بعكس تيار الإخوان ذي الأجندة التي تتجاوز حدود قطره، ويمثِّل خطرًا على المشروع الأمريكيِّ الصُّهيونيِّ العالميِّ، لأجندته ومشروعه الإسلاميِّ المتكامل، والذي يشمل العالم الإسلاميِّ بأسره، والذي ينادي به الإخوان، وهو أحد أهدافهم الكبرى لاستعادة الخلافة الإسلاميَّة، وليس لديهم الاستعداد لتغييره لأنَّه مبدأٌ ثابتٌ عندهم.

3- ثالثًا: للإخوان ثوابت لا يحيدون عنها ولا تتغير، كقضية الاعتراف بـ"إسرائيل" واستعادة القدس المحتلة، وغيرها من القضايا المُهمَّة والتي هي على غير المواءمة السِّياسيَّة لحزب العدالة والتَّنمية، فما زالت تركيا عضوًا في حلف شمال الأطلنطي (الناتو) الذي يضرب أفغانستان ويحيك المؤامرات في بلاد المسلمين إلى يومنا هذا، ولا تزال تحتفظ بعلاقات مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، ويعلن أردوجان المحافظة على هذه العلاقات

وفي مايو 2005م، قام أردوجان بزيارةٍ للكيان الصهيوني، والتقى بالرئيس الإسرائيليِّ آنذاك موشيه كاتساف، ثم رئيس الوزراء الهالك أرييل شارون، وزار نصب ياد فاشيم لتكريم ذكرى ضحايا " محرقة اليهود في الحرب العالمية الثانية "، ووقتها قالت تحليلاتٌ موثوقةٌ إنَّ أردوجان والدِّبلوماسيَّة التًُّركيَّة رمت من وراء هذه الزيارة التَّخطيط لدورٍ جديدٍ في المنطقة، تمثِّل فيه جسرًا بين الكيان الصهيوني من جانبٍ والفلسطينيين وسوريا والدول العربيَّة من جانبٍ آخرٍ؛ لتستكمل صورتها المعلَنة من قبل، وهي كونها تمثل نموذجًا للديمقراطيَّة التي تهدف الإدارة الأمريكيَّة إلى تعميمها في المنطقة، إضافةً إلى الأهداف التُّركيَّة الأخرى الخاصة بمحاولاتها من التقرب للاتحاد الأوروبي والولايات المُتَّحدة

وهذا هو الفارق الذي جعل الغرب يتقبَّل حزب العدالة والتنمية بينما يرفض حماس في فلسطين، بل بمجرد أنْ يفوز الإخوان بعددٍ من المقاعد في مجلس الشَّعب تُعلَنُ الحرب عليهم

ثانيًا: قراءةٌ مغايرةٌ


لا يجب قصر مثل المواقف التي تبنَّاها أردوجان إزاء المحرقة الصُّهيونيَّة الأخيرة في قطاع غزة على حكومات العدالة والتَّنمية فحسب، بل هناك سوابق حالةٍ كان لحكوماتٍ علمانيَّةٍ تبنَّت سياساتٍ غير مواتيةٍ للرِّياح الغربيَّة والصُّهيونيَّة، ففي العام 1985م، وفي حكم رئيس الوزراء التُّركيِّ تورجوت أوزال زعيم حزب الوطن الأم العلمانيِّ القوميِّ، ناشدت تركيا الولايات المتحدة مساعدتها لتأمين دفاعاتها العسكريَّة، ولكن الولايات المتحدة رفضت وقامت بخفض معوناتها العسكرية لتركيا، فردت الأخيرة بإيقاف العمل باتفاقيَّة القواعد العسكريَّة الأمريكيَّة في البلاد

في المقابل، وتحت حكم أربكان في العام 1995م، أقامت تركيا اتحادًا جمركيًّا مع الاتحاد الأوروبي عقب مفاوضات استغرقت 20 عامًا، وشنَّت تركيا حملةً عسكريَّةً ضد الأكراد، وفي العام 1996م عقدت تركيا مع إسرائيل اتفاقيَّةً استراتيجيَّةً برعايةٍ أمريكيَّة، منحت بموجبها المقاتلات الإسرائيليَّة حقَّ الوصول إلى القواعد العسكريَّة شرقي تركيا، ولم يستطع أربكان منع هذا الاتفاق

ويمكن القول إنَّ التبدّلات التي طرأت على السِّياسة التُّركيَّة في عهد أردوجان أنْ نعزوها إلى العوامل الآتية :ـ


- تشهد تركيا تحولاتٌ عديدةٌ منذ مطلع السَّبعينيَّات سواءً فيما يتعلَّق بالعودة للجذور الإسلاميَّة أو في زحزحة الأحزاب العلمانيَّة عن عرشها، ففي العام 1970م ظهر النِّظام الوطني، أوَّل تجارب أربكان في العمل الحزبي، ثمَّ حلَّ محلَّه حزب السَّلامة الوطنيِّ، وتراجعت حدَّة سياسات الاحتواء التي مورست ضد التَّيَّارات الإسلاميَّة في البلاد، وكان في ذلك نواةٌ لتحولاتٍ كبرى فيما بعد، وفي مطلع التسعينيَّات، بدأ الشُّعور الدِّينيِّ في التَّنامي رغم انفتاح البلاد الواسع على الغرب، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وذلك بسبب اتِّخاذ الدِّول الغربيَّة مواقفٍ سلبيَّةٍ تجاه تركيا بعد اجتياحها جزيرة قبرص

ومن هنا نرى أنَّ التحولات في تركيا نحو الجذور الإسلاميَّة هي التي أتت بأردوجان للحكم أوَّل مرَّةٍ في العام 2002م، وليس العكس، أي ليس أردوجان هو الذي أوجد الصَّحوة الإسلاميَّة في تركيا، على حداثة عهد الحزب بالحياة السِّياسيَّة التُّركيَّة، فهو في الأساس خارجٌ من رحم حزب الرفاه الأربكاني في التِّسعينيَّات الماضية، عندما لم يرض أردوجان والرئيس الحالي للجمهوريَّة عبد الله جول عن سياسات أستاذهما أربكان، ورأيا ضرورة التَّواؤم السِّياسيِّ مع الأمور القائمة في تركيا حتى يتسنَّى الوصول للحكم، وهو ما رفضه أربكان، فترك جول وأردوجان وأعدادٌ أخرى الحزب، وأسسوا "العدالة والتنمية" ـ

وأبرزت نتائج انتخابات العام 2005م تراجعًا كبيرًا في الموقف السِّياسيِّ للأحزاب العلمانيَّة حتى في معاقلها الرئيسيَّة في أنقرة والأناضول والبحر الأسود ، وغيرها من المدن الكبرى بما في ذلك مناطق جنوب وجنوب شرق تركيا، وهي نتائج كانت مؤشراتها قد بدت في انتخابات العام 2004م البلديَّة، التي خسر فيها حزب الشَّعب الجمهوريِّ الذي أسسه أتاتورك نحو نصف البلديات التي كان يسيطر عليها

والآن فإنَّ حزب الشَّعب نفسه بزعامة دينيز بايكال بدأ في انتهاج نهجٍ يستميل الناخب الإسلاميِّ الذي أتى بأردوجان للحكم، فقام جورسال أيتكين رئيس الحزب الجديد في إسطنبول في نوفمبر الماضي بتأييد الدَّعوة لدخول المحجبات للحزب، كما وافق بايكال مؤخرًا على افتتاح مراكز لتحفيظ القرآن الكريم

- لا يمكن إغفال الطَّبيعته الشَّخصيَّة لأردوجان، فهناك عواملٌ عديدةٌ تؤثِّر في سياساته لا يمكن إغفالها أو القول إنَّ لأحدها الغلبة على الأخرى في تحديد سياسات أردوجان، فهو تركيٌّ بمعنى الكلمة ، بما في ذلك اعتداده بنفسه، ورفعة نظرته لذاته مقارنة مع الآخرين، كما أنَّه مسلمٌ، وذو خلفيَّةٍ إخوانيَّةٍ , وهي تأثيراتٌ لا يمكن إغفالها حينما نتحدث عن سياسات أردوجان، فالرَّجُل لم ينسحب من دافوس أخيرًا احتجاجًا على كلام الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز الذي برر العدوان الإسرائيليِّ الأخير على غزَّة، لأنَّ رئيس الجلسة، وهو صحفيٌّ أمريكيٌّ في " الواشنطن بوست " المحافظة لم يحترمه وقاطعه ولم يمنحه الوقت المماثل الذي حصل عليه بيريز، وهنا تداخلت طبيعة أردوجان التُّركيَّة، فغضب وانسحب من الجلسة، وفي ذات الوقت كانت طبيعته كمسلم تملي عليه الرَّد على بيريز

- خلفيات ووضعية تركيا، وفق النَّظرة الأمريكيَّة والإسرائيليَّة تسمح لأردوجان في اتِّخاذ أكثر السِّياسات حدَّةً دون خشية ردِّ فعلٍ أمريكيٍّ أو إسرائيليٍّ عنيفٍ، فتركيا بلدٌ هامٌّ في التَّحالُف الغربيِّ، وله علاقاتٌ مع الولايات المتحدة في إطار حلف الناتو، ولذلك لم يخشَ شيئًا عندما منع الأمريكيون من استغلال القواعد الجويَّة التُّركيَّة في ضرب العراق خلال الغزو الأمريكي البريطانيِّ للعراق في العام 2003م، وهو نموذجٌ مهمٌّ في قياس ردَّة الفعل الأمريكيَّة إزاء تركيا في أيِّ موقفٍ مماثل

فأهميَّة تركيا لدى التَّحالُف الغربيِّ أكبر من مجرَّد مثل هذه السِّياسات والمواقف، فتركيا الإسلاميَّة السُّنِّيَّة مثلها في ذلك مثل باكستان، واجهةٌ قويَّةٌ للغاية لدخول الولايات المتحدة والكيان الصُّهيونيِّ لساحة العالم الإسلاميِّ، وتزداد أهمِّيَّة هذا الدَّور التركيِّ بوجود حكمٍ ذي مرجعيَّةٍ إسلاميَّةٍ مثل حكومة العدالة والتنمية الحالية

ولذلك وبتأييده العلمانيَّة وتدعيمه العلاقات مع إسرائيل اكتسب الحزب تأييد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة؛ فتمَّ أولاً الضَّغط على المُؤسَّسة العسكريَّة في تركيا للقبول بنتائج العمليَّة الديمقراطيَّة، ولولا هذا لما تمكَّن الحزب من تحقيق النجاح وتشكيل الحكومة، كما حقق أردوجان اختراقاتٍ كبيرةً في مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي

ولا ننسَ هنا أنَّ تركيا هي العنوان الأوَّل لمفاوضاتٍ غير مباشرةٍ بين الكيان الصهيونيِّ وسوريا طيلة العامَيْن الماضيَيْن، كما أنَّ تركيا مواقفها محسوبةٌ بدقةٍ لا تثير أزمةً فعليَّةً في العلاقات بينها وبين الغرب وإسرائيل، فلم يتَّخذ أردوجان خلال عدوان إسرائيل على غزة السِّياسات الفعليّة التي تهدد الأمن القوميِّ الإسرائيليِّ، فهو لم يسحب اعتراف تركيا بالكيان الصُّهيونيِّ، ولم يقطع العلاقات بين البلدَيْنن ولم يسحب حتى السُّفراء، واكتفى بمواقف تحقق أهدافه المزدوجة :ـ

1- تدعيم شعبيَّته في العالم العربي والإسلاميِّ ـ

2- المزيد من الاختبار لمدى أهميَّة تركيا في العالم الغربي، وذلك انطلاقًا من إدراكه لطبيعة الدَّور التُّركيِّ الهام في هذا الإطار ـ


وبالفعل بينما أردوجان يعترض على بيريز وينسحب من دافوس، فإنَّ الولايات المتحدة وإسرائيل سمحت لأردوجان بالاستمرار في دور الوساطة في الملف الفلسطيني- الصهيوني، وعلى معرفتنا جميعًا بالضُّغوط الأمريكيَّة على رئيس السُّلطة الوطنيَّة الفلسطينيَّة محمود عباس، نجده قد قام بزيارةٍ مؤجَّلة إلى تركيا قبل أيامٍ، ولم يضغط الأمريكيون على عباس سوى بتأجيل الزِّيارة لأسبوعٍ واحدٍ فقط، بينما هناك وفدٌ تُركيٌّ في سوريا الآن يلعب دور الوساطة مع حركة حماس فيما يخص الجانب الخاص بصفقة تبادُل الأسرى بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينيَّة

كما أنَّ رد الفعل الإسرائيليِّ والأمريكيِّ الرسميِّ إزاء ما فعله أردوجان خلال أزمة غزة، لم يتجاوز تأجيل زيارة المبعوث الأمريكيِّ للشرق الأوسط جورج ميتشل إلى تركيا


وفي الختام نقول إنَّ السِّياسة الأمريكيَّة في الوقت الرَّاهن تجاوزت وحلفاءها الصورة القديمة التي كانت سائدةً إبَّان الحرب الباردة والصِّراع مع الاتحاد السُّوفيتي السَّابق علنًا؛ حيث الحليف كان يجب أنْ يكون شديد العداء للعدو المشترك، أمَّا الآن فإنَّه من المصلحة أنْ يكون حليفي جزءًا لا يتجزَّأ من تحالفات بيت أعدائي، كما هي الحالة مع تركيا- أردوجان، وقطر- الثنائي حمد، الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ورئيس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، ولكن هذا موضوع آخر


هناك 6 تعليقات:

عــمــار البلتاجي يقول...

الأخ الفاضل
المقال عميق
جزاك الله خيرا

Hosam Yahia حسام يحى يقول...

روعه
اختلف فى بعض الامور القليله
لكن المقال رائع
دمت بخير :)

د.توكل مسعود يقول...

السلام عليكم ورحمة الله... وبعد
فنحن لسنا فى زمن الموازنة بين المصالح لنحصل على أعلاها ... نحن فى زمن الموازنة بين المفاسد لنتجنب أعلاها وإن وقعنا فى أدناها ويزول عنها عندئذ وصف المفسدة...هذا ما يقرره الأصوليون

كما أننا فى حاجة إلى أن نشجع كل محسن ...وهل هذا هو وقت النقد؟!

أعتقد أن المحصلة النهائية بعد براعة السياسة أن المشروع الإسلامى فى عهد أردوجان قد ازدهر وبطريقة ذكية لم تعط للمناوئين فرصة للطعن عليه...

أرجو أن ينشرح صدرك لإدلائى برأيى.

اصحى يا نايم يقول...

د/ توكل
جزاكم الله خيراً على التعليق أولاً

ثانياً ـ
مازلت فى بداية تحرى الحقيقة .. والحجة تقارع بالحجة ,, أتمنى أن تقرأ المقال الأول ( تركيا الواقع والأحلام ) ففيه تشجيع للمحسن وشد على يديه ودعم له ,, ولكن دعوى استنساخ التجارب دون تحليل ليس له علاقة بالمحسن والمسيئ .. والأيام حبلى بالحقائق الخافية

ثالثاً : المقالات التى أنشرها تأتى ضمن سلسلة ملف ( تركيا.. الواقع والأحلام ) , ولا أنتقى أو أصنف النقد من عدمه

بارك الله فيك سيدى الفاضل وأتمنى أن تزودنى بمعلومات حول هذا الملف تساعد فى ايضاح الرؤية

عاشق الجنة يقول...

اخي الفاضل المقال ممتاز
السياسة التركية لم تصل الى هذه المرحلة الا بعد جهد مرير و
عدم الخوف من الأعداء
مهما كانوا

محمد فهمى يقول...

انا حاسس اناالخلافة ستعود من تركيا تانى